Skip to content

ضوابط الاشتغال في مجال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

القرآن الكريم هو أعظم معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو كتاب أنزل من عند الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويتجلى ذلك من خلال عجز الكفار عن أن يأتوا بسورة من مثله أو أن يحرِّفوا ولو حرفاً منه على مدى العصور. والمسلم يؤمن بنبوة سيدنا محمد أي بأنه مرسل من عند الله وبأن القرآن الكريم هو من عند الله تبارك وتعالى.

وقد برز عدد من الدعاة والعلماء ليؤكدوا إعجازاً آخر في القرآن وهو الإعجاز العلمي، ومن أشهرهم الأستاذ زغلول النجار، الذي ربط في عدّة محاضرات جامعية وتلفازية بين ما جاء في بعض الآيات وما أقرّته نظريات علمية في القرن العشرين وما سبقه. والإعجاز العلمي في القرآن يُظهر بأن النص القرآني أخبر بحقائق كونية لم تكن مُدرَكة للناس في زمن الوحي بالقرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأقرها العلم الحديث لاحقا؛ ويبني عليه بما يتسق مع إيمان المسلمين بأن القرآن معجزة ودليل على نبوة سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

بالمقابل، هناك عدد من المعاصرين الذين يُعارضون فكرة وجود إعجاز علميّ في القرآن، قائلين إنه ليس بكتاب علوم كونية، ومن الأسباب التي جعلتهم يقولون بعدم وجود إعجاز علمي في القرآن، هو وجود عدّة تفسيرات علمية لظاهرة طبيعية وحيدة، فالعلوم الطبيعية دائمة التطور والنظريات قد تتبدل وتُدحض، فلا يمكن القطع بصحتها في كثير من الأحيان.

بعد هذه المقدمة، ربما يشعر القارئ أنني بصدد كتابة بحث موضوعي عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وذكر جوانبه ووجهات النظر المؤيدة والمعارضة، فهذا بحث أُوفيَ حقّه ويمكن القارئ الاطلاع عليه في ويكيبيديا مثلا. إنما هدفي من الكتابة في هذا الموضوع هو لفت النظر إلى بعض الإشكالات وكيفية علاجها.

في البدء أودُّ أن أبديَ إعجابي بهذا المجال المستجد وهو البحث في الإعجازات العلمية في القرآن، حيث أنني أستمتع بالاطلاع على مستجداته. فهو يدعو للتأمل في خلق الله وييسر لنا استحضار عظمة الخالق سبحانه وتعالى. وتبرز أهميته أيضا في إثبات أن القرآن والحديث لا يناقضان الحقائق الكونية اليقينية ولا بأدنى جزئية، فهو مجال مهم لنرد بواسطته على من يدعي أنَّ الدين يناقض العلم الحديث. وأذكر أنني أول مرة اطّلعت على بعض معلومات هذا المجال شعرت بالغبطة لأني وجدت أن كثيرا من النظريات الفيزيائية التي تعلمتها في الجامعة متوافقة مع القرآن. وتَنَبَّه أخي القارئ إلى أنني لم أقل إنني شعرت بالغبطة لأن القرآن متوافق مع النظريات. فكوني مسلم يقتضي كون لسان حالي أن القرآن والدين الإسلامي من عند الله وهو لا ريب صحيح سواء كانت النظريات متوافقة معه أم لا. فإذا توافقت النظريات مع الدين فذلك من حسن حظ النظريات.

إلا أن منهج الإعجاز العلمي بحسب ما نستنتج من أعمال رُوَّاده ليس مجرد إثبات أن الحقائق العلمية متوافقة مع القرآن، بل أشمل من ذلك، وهو إثبات أن كثيرا من الحقائق والنظريات العلمية أخبر بها القرآن والحديث النبوي منذ قرون.

من هنا أود أن أنبّه إلى إشكال يبرز عندما نرى بعض رواد هذا المجال يتناولون اكتشافا ما ويفسرون تفسيرا قطعيا أن بعض الآيات جاءت بها. ومن أين لهم القطع بتفسيرها بينما نرى كتب العلماء المعتمدة في التفسير تمتلئ بالتفاسير المتنوعة لنفس الآية. ثم عَجَبي هنا أنهم لم يحتاطوا لكون العلوم الطبيعية معرضَّة للتغيُّر، والنظريات ربما تتبدل وتُدحض أو تكون ناقصة فتكمّل. فماذا لو أننا سلّمنا بقطعية تفسير إحدى الآيات باكتشاف علمي جديد وسُقناها لغير المسلمين بنية أن نثبت لهم أن ديننا الحق، ثم وجدنا بعد زمن أن ذلك الاكتشاف قد دُحض، ألا يجعلنا ذلك مهزلة؟ ثم حتى لو سقناها لعوام المسلمين ففي ذلك خطورة أيضا لكون معظم المسلمين في هذا الزمن قليلي الباع في العلوم العصرية، ولأنه بذلك يتم ربط الدين بالعلم الحديث في نفوس العوام، وذلك فيه خطورة على ضعاف النفوس من أن يكذّبوا الدين إذا ظهر خطأ نظريات حُمل القرآن على أنه أخبر بها. فمن هنا يظهر أن توجيه هذا العلم – الإعجاز العلمي – لعوام المسلمين قد يترتب عليه مفاسد كبرى منها أن يصبح العلم الحديث هو المرجع التوثيقي للدين عند البعض، حيث أصبح الكثير من العوام يستدلون على صدق الدين بالعلوم الحديثة. ومن هنا يأتي الخوف من استغلال هذا الواقع من قِبَل بعض أدعياء العلم لدحض الدين بزعمهم.

الإسلام دين متين ومبني على دلائل عقلية متينة لا مجال لدحضها فلماذا تهمل ويستعان للدعوة إلى دين الإسلام باكتشافات أو نظريات مُعرَّضة لاحتمال الدحض؟ ولا أبالغ إن قلت إنني فيما اطلعت عليه وجدت آياتٍ فُسرت بطريقة غريبة بعيدة، وكأن الكاتب اصطاد المعنى البعيد – الذي يتوهمه للآية – بالصنارة وسحبه إلى معنى موافق لنظرية ما. وفي حالات أخرى أجد المفسر وكأنه يقص ويرقع ليحصل على معنى موافق لاكتشاف ما. ومن أعجب ما رأيت في هذه التفاسير تفسير باطل لبعض الآيات القرآنية يدّعي أن القرآن جاء بنظرية تطور الإنسان من شكل بدائي على منوال نظرية داروين مع أنه وردت آيات صريحة تخبر أن سيدنا آدم هو أول البشر وأنه خُلق من تراب. وهذا مثال على المصيبة التي ابتلينا فيها بظهور دجاجلة درسوا علوما كونية كالفيزياء والهندسة والفلسفة وغيرها ثم خاضوا في مجال الإعجاز العلمي في القرآن وأعطوا المحاضرات وظهروا على اليوتيوب وذاع صيتهم ثم نصبوا أنفسهم واعظين فصار بعض الناس يأخذ منهم دينهم فضلّوا معهم، وقد صدق التابعي الكبير الإمام محمد بن سيرين حين قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. فلذلك أنصحك أخي القارئ بالحذر عند مطالعة التفسيرات العلمية العصرية للآيات، وعدم إغفال تحكيم العقل والشرع.

وقد لفت نظري صديق عزيز إلى أنه غلب على رواد مجال الإعجاز العلمي كونُهم من غير أهل العلم، فقد بدأ الأمر بما يشبه نشر الإعجاز العلمي وانتهى بالسعي في نسف الدين وهدمه. ففي المرحلة الأولى بدأ الأمر بإظهار علم الإعجاز العلمي فربط بين الدين والعلم الحديث في نفوس العوام، ثم استخدم الدجاجلة الشيطانيون هذا الأمر لنسف كثير من الأحاديث النبوية بحجة مناقضتها للعلم، بعدما أصبح العوام يستدلون على صدق الدين بالعلم الحديث كثيرا – وظهر جليا أن هذا مدخل لهدم الدين.

والخلاصة أن هذا المقال ليس للدعوة إلى إهمال معالم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أو في الحديث النبوي الشريف، بل المراد وضع ضوابط له، بحيث نستفيد منه ما فيه خدمة للدين، ولا نتضرر به بجعل العلوم الكونية هي الحقائق التي يُحتكم إليها الناس إن وجدوها لا تتوافق مع آيات القرآن الكريم أو الحديث الشريف.

ويمكن تلخيص المقال في النقاط التالية:

  • الإعجاز العلمي مجال مهم جدا للرد على من يدعي تناقض الدين والعلم.
  • يجب طرد المتطفلين على هذا العلم.
  • يجب على المتصدرين لهذا النوع من الأبحاث:
    • أن يكونوا علماءَ بكل معنى الكلمة.
    • وأن يلمّوا بالتفاسير المعتمدة للآية قبل البحث في تفاسير أخرى لها.
    • وأن يتحرّزوا من أن يأتوا بتفسير علمي لآية مخالف لآيات أخرى صريحة أو مخالف لحديث صحيح أو لإجماع أو لمعلوم من الدين بالضرورة.
    • وأن يراعوا أن يكون تفسيرهم موافقا لما تقتضيه اللغة العربية وقت نزول القرآن.
  • الحذر في عرض هذا العلم على العوام قبل التحقيق والتدقيق الشديدين، ومع التنبيه على أن التفسير العلمي الذي أتوا به لآية قرآنية هو من باب الاحتمال والاجتهاد في فهم النصوص، وأن ما توصلوا إليه مظنون غير مقطوع به، وأنه في حال تبين خلاف ذلك، فالخطأ في فهمهم وتفسيرهم لا في النص القرآني. نعم ربما يكون التفسير العلمي للآية في حالات قليلة من المسلَّمات اليقينية المبنية على التجربة المتكررة الموصلة إلى اليقين، وهذه لها تفاصيل وشروط تعرف من العلوم التجريبية، من أراد التوسع في معرفتها فلينظرها هناك.
  • الحذر في استعمال هذا المجال في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ربما باستثناء حالات قليلة ورد ذكرها في النقطة السابقة، لأن من أسلم لأنه ظن أن القرآن أخبر بالنظرية الفلانية منذ 14 قرنا، ثم تبين له بطلان هذه النظرية ربما يكفر بالقرآن، بسبب بطلان ما أسلم لأجله. والأفضل في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام اعتماد الدلائل العقلية المعروفة التي ألّف فيها علماء الكلام، فهي دلائل متينة، مبنية على مقدمات يقينية، كما أن معظم علم الرياضيات مبني على المقدمات اليقينية.
  • الحذر في استقبال ما نقرأ أو نسمع أو نشاهد في هذا المجال دون تمحيص، بل لا بد أن نضعه في ميزان العقل والشرع.

وفي الختام أقول إن أقصى ما يفيدنا الإعجاز العلمي حاليا هو أنه يُستعان به في رد شُبَهٍ تناقض الدين، وأنه يدعونا إلى التأمل في بديع خلق الله واستحضار عظمته تعالى، وأنه يستدعي الفرح ببشارات هذا الإعجاز، فيكون سببا لتقوية الإيمان. وهذه لا شك فوائد عظيمة لمن وفقه الله.

والله أعلم.

فريد مناوي 28-7-2018

Leave a Reply

Your email address will not be published.

10 − four =